حكمة عربية موجزة تقول: لا يغرنك ارتقاء السهل، إذا كان المنحدر وعراً. أي لا تخدعك سهولة الصعود إذا كان النزول صعباً وخطيراً. كم من قرار بدا سهلاً ومغرياً في البداية، ثم اكتشف صاحبه أن الخروج منه أصعب بكثير من الدخول فيه؟ هذه الحكمة دعوة لفن نادر: التفكير في العواقب قبل الإقدام.
في هذا المقال نتعلم كيف نحسب العواقب، ولماذا تُعد خطة الخروج جزءاً من أي خطة ناجحة.
فخ البدايات السهلة
البدايات السهلة مخادعة بطبعها: القرض السهل التوقيع صعب السداد، والعلاقة المتسرعة سهلة البدء صعبة الإنهاء، والوظيفة المغريّة سهلة القبول صعبة الترك، والعادة السيئة سهلة التجربة صعبة الإقلاع. المشترك بينها جميعاً: تكلفة الدخول منخفضة، وتكلفة الخروج باهظة.
وعقلنا يقع في الفخ لأنه يركز على المتعة الفورية ويتجاهل الثمن المؤجل. فنتسلق الجبل السهل… ثم نكتشف أن النزول منه وعر.
اسأل دائماً: وماذا بعد ذلك؟
قبل أي قرار مهم، مارس تمرين السؤال الممتد: ماذا سيحدث بعد شهر؟ وبعد سنة؟ وما أسوأ سيناريو ممكن؟ تخيّل أن القرار فشل: هل تستطيع التراجع؟ وما الثمن؟ هذه الأسئلة لا تعني التشاؤم، بل تعني النضج.
وجرّب قاعدة القرار العكسي: قبل أن توافق على شيء، تخيّل أنك وافقت منذ سنة — هل أنت سعيد الآن؟ هذه الحيلة البسيطة تكشف لك العواقب قبل وقوعها.
ومن حيل الحكماء في حساب العواقب: الاستشارة. فالعقل الواحد — مهما كان ذكياً — أعمى عن زواياه العمياء، ومن جرّب الطريق قبلك يرى ما لا تراه. استشر من تثق بخبرته وأمانته قبل القرارات الكبيرة، واستمع للنقد بصدر رحب. فالمستشار الأمين مرآة تكشف لك المنحدر الوعر قبل أن تبدأ الصعود.
خطط للخروج قبل الدخول
أذكى المخططين لا يسألون كيف أدخل فقط، بل كيف أخرج. في الاستثمار: ما شروط البيع قبل الشراء؟ في الشراكات: ما آلية فض الشراكة قبل توقيعها؟ في الالتزامات: هل يمكن التراجع وما الثمن؟ من يملك خطة خروج واضحة يتفاوض بقوة وينام مرتاحاً.
وهذا لا يعني التخطيط للفشل، بل يعني احترام الواقع: فالحكيم يستعد للعواصف وهو في الميناء، لا عندما تضربه في عرض البحر.
الصعود الحقيقي يُبنى على أساس متين
البديل عن الاندفاع الأعمى ليس الجمود، بل الصعود المدروس: ابنِ مهاراتك قبل أن تطلب المنصب، وادرس السوق قبل أن تفتح المشروع، وتعرّف جيداً قبل الارتباط. البطء المدروس ليس ضعفاً، بل هو السر الذي يجعل صعودك آمناً ونزولك — إن احتجته — سهلاً.
وتذكر: الجبل الذي صعدته بحكمة، لن تخاف من النزول منه.
خاتمة: انظر إلى الأسفل قبل أن تنظر إلى الأعلى
قبل أن تغريك سهولة البداية، توقف لحظة واسأل: كيف سيكون النزول؟ فإن كان وعراً، فإما أن تستعد له جيداً أو تبحث عن جبل آخر. فالحكمة ليست في سرعة الصعود… بل في سلامة الوصول والعودة.
Mohammed Albaom – محمد البعوم




Hi, this is a comment.
To get started with moderating, editing, and deleting comments, please visit the Comments screen in the dashboard.