World

رهاب القرار: لماذا نخاف أن نختار رغم حريتنا؟

يتباهى كثيرون بأنهم أحرار في قراراتهم: لا أحد يملي عليهم ماذا يفعلون. لكن انظر إلى حياتهم العملية: سنوات تمر وهم يؤجلون القرار نفسه — تغيير الوظيفة، بدء المشروع، إنهاء علاقة سامة، تعلم مهارة جديدة. ليس هناك من يمنعهم، ومع ذلك لا يتحركون. السجّان هنا ليس خارجياً، بل داخلي: الخوف من الخطأ. فما قيمة التباهي بالحرية إذا كنت مكبّلاً بقيود ترددك أنت؟

الكمالية: القيد الأنيق

يختبئ التردد خلف قناع جميل اسمه «الكمالية»: «سأبدأ عندما أكون مستعداً تماماً»، «سأنشر عملي عندما يصبح مثالياً»، «سأتكلم عندما أجد الكلمات المناسبة». والحقيقة أن «الاستعداد التام» لحظة لا تأتي أبداً، فتبقى المشاريع حبيسة الأدراج والأحلام حبيسة الخيال. الكمالية ليست معياراً للجودة، بل آلية دفاع ضد خوف الفشل: فما لم تبدأ أبداً لن تفشل أبداً — لكنك لن تنجح أيضاً. ابدأ ناقصاً وتحسّن في الطريق؛ فالإتقان نتيجة البدء لا شرطه.

ثمن الانتظار أغلى من ثمن الخطأ

نبالغ في تقدير كلفة الخطأ ونستهين بكلفة الانتظار. تخشى تغيير وظيفتك خوفاً من المجهول، فتدفع ثمن البقاء سنوات من الإحباط. تخشى الاعتراف بمشاعرك خوفاً من الرفض، فتدفع ثمن الصمت علاقة لم تولد. الحقيقة المرة: عدم القرار هو قرار — قرار بالبقاء حيث أنت. ومعظم ما نخافه لا يحدث، وما يحدث نتعلم منه. اسأل نفسك: «ما أسوأ ما يمكن أن يحدث؟» وستكتشف أن الإجابة — في معظم الأحيان — أقل رعباً بكثير من شلل الانتظار.

الحرية مسؤولية… وهذا ما يخيفنا

هناك سبب نفسي عميق للتردد: الحرية مخيفة لأنها تعني المسؤولية. ما دمت لم تقرر، يمكنك لوم الظروف والناس والحظ. لكن لحظة القرار تنقل المسؤولية إلى كتفيك وحدك — وهذا ثقيل. لذلك يفضل كثيرون «حرية» الوضع القائم المريحة على حرية القرار المكلفة. لكن تذكّر: الهروب من المسؤولية هو هروب من النضج، ومن يرفض دفع ثمن الحرية سيبقى يدفع ثمن العبودية — وهو أغلى بكثير.

كيف تكسر قيد التردد؟

  • صغّر القرار: لا تفكر في «تغيير حياتي» بل في «الخطوة الأولى هذا الأسبوع». القرارات الصغيرة تكسر الجليد.
  • حدد موعداً نهائياً: القرارات المفتوحة لا تُتخذ أبداً. ضع تاريخاً والتزم به.
  • اقبل الخطأ كصديق: كل قرار خاطئ درس مدفوع الثمن — وهو أرخص من درس لم تتعلمه أبداً.
  • استشر ثم احسم: اطلب النصيحة لكن لا تجمع الآراء إلى ما لا نهاية. في النهاية: قرر وامضِ.

الخلاصة أن الحرية الحقيقية تُقاس بما تفعله لا بما تدّعيه. يمكنك أن تتباهى باستقلالك ما شئت، لكن إن كانت سنواتك تمر وأنت في مكانك خوفاً من الخطوة الأولى، فأنت لست حراً بل سجين ترددك. اكسر القيد اليوم بقرار واحد صغير — اتصال تؤجله، أو خطوة تبدأها، أو كلمة تقولها. فالباب لم يكن موصداً أبداً… كنت فقط تخاف أن تدير المقبض.

Mohammed Albaom – محمد البعوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى