لماذا نشعر أن الوقت يمر أسرع كلما تقدمنا في العمر؟

«أين ذهبت السنة؟» سؤال يتكرّر كل ديسمبر، وبصوت أعلى كلما تقدّمنا في العمر. في الطفولة كان الصيف أبدياً لا ينتهي، وانتظار العيد مهمة مستحيلة. أما اليوم فتمرّ السنوات كأنها شهور، والعقود كأنها سنوات. فهل الزمن يتسارع فعلاً، أم أن عقولنا هي التي تغيّرت؟ يقول العلم إن الإجابة تسكن أدمغتنا: فإدراك الزمن ليس ساعة دقيقة، بل قصة يرويها الدماغ عن حياتنا، ونحن نصدّقها كل مرة.
نظرية التناسب: السنة التي تصغر كل عام
أقدم تفسير لهذه الظاهرة هو «نظرية النسبة»: عندما تكون في العاشرة، تمثّل السنة الواحدة عُشر حياتك كلها، فتبدو ضخمة ومليئة. وعندما تبلغ الخمسين، تصبح السنة مجرد جزء واحد من خمسين، فتبدو أقصر بكثير. التفسير أنيق ومقنع، لكنه ناقص؛ فهو لا يفسّر لماذا تمرّ سنة مليئة بالأحداث أبطأ من سنة رتيبة في العمر نفسه. النسبة تفسّر جزءاً من اللغز، لكن الجزء الأهم يكمن في الذاكرة والانتباه، لا في الحساب البارد.
الروتين يمحو الزمن: قاعدة الذكريات
اكتشف علماء النفس حقيقة مدهشة: نحن لا نقيس الزمن بالساعات، بل بالذكريات. فالدماغ يقدّر مدة أي فترة بعدد «اللقطات» الجديدة التي خزّنها عنها. في الطفولة كان كل شيء جديداً: أول مدرسة، أول صديق، أول سفر؛ فيمتلئ أرشيف الذاكرة وتبدو الفترة طويلة وغنية. أما حياة البالغين فغالباً روتين متكرّر: العمل نفسه، الطريق نفسه، الوجوه نفسها؛ فيدمج الدماغ الأيام المتشابهة في ذكرى واحدة باهتة، وتمرّ السنة «فارغة» فتبدو كأنها لم تكن. باختصار مؤلم: الروتين يسرق الزمن من ذاكرتنا دون أن نشعر.
الانتباه والدماغ: لماذا يتسارع العالم؟
هناك عامل عصبي أيضاً: مع التقدّم في العمر تتباطأ معالجة الدماغ للمعلومات الجديدة، فيلتقط عدداً أقل من التفاصيل في اللحظة الواحدة، فيبدو العالم من حوله وكأنه يمرّ أسرع. يضاف إلى ذلك انشغال البالغين الدائم؛ فنعيش معظم أيامنا على «الطيّار الآلي» بينما كان الطفل حاضراً بكامل حواسّه في كل لحظة يعيشها. والانتباه هو مادة الزمن الخام: كلما انتبهتَ للحظة طالت واتّسعت، وكلما غفلتَ عنها انكمشت وتبخّرت كأنها لم تحدث.
كيف نبطئ الزمن؟ وصفات من العلم
الخبر الجيد أن الساعة الداخلية قابلة للخداع. القاعدة الذهبية هي «الجِدّة»: كل تجربة جديدة لقطة إضافية في أرشيف الذاكرة، تُطيل الفترة في إدراكك لاحقاً. إليك وصفات عملية مجرّبة:
- تعلّم شيئاً جديداً: لغة أجنبية، آلة موسيقية، أو مهارة يدوية؛ فالتعلّم يملأ الذاكرة بلقطات كثيفة ومتنوّعة.
- اكسر الروتين عمداً: غيّر طريقك إلى العمل، سافر إلى مكان لم تزره من قبل، وجرّب طعاماً لم تذقه في حياتك.
- كُن حاضراً بوعي: دوّن يومياتك كل مساء، وتوقّف أحياناً لتتأمّل الغروب بدل تصويره فقط؛ فالانتباه مادة الزمن الخام.
الزمن لا يرحم أحداً، لكن الذاكرة كريمة مع من يملؤها بالجديد والمدهش.
السنوات لا تتسارع حقاً؛ نحن من توقّفنا عن جمع اللحظات. الطفل الذي كنّاه يوماً لم يكن يملك وقتاً أطول من وقتنا، بل كان يملك عينين مفتوحتين على كل شيء. وربما كانت حكمة العمر الحقيقية هي أن نستعيد تلك العينين، فنعيش سنواتنا المتبقية أطول وأغنى مما تبدو.
Mohammed Albaom – محمد البعوم



