Tech

اقتصاد الانتباه: لماذا وقتك أثمن سلعة في هاتفك

في كل صباح، وقبل أن يلمس الماء وجهك، تلمس أصابعك شاشة باردة. رسالة لم تُقرأ بعد، وتنبيه يطلب عينيك، وعنوان يشدك من طرف النوم. لا أحد طرق بابك، ومع ذلك دخلت السوق. فأنت منذ لحظة استيقاظك لست زبوناً في هذا السوق، بل بضاعة معروضة فيه، وثمنك هو الدقائق.

سوق لا ينام

تعوّدنا أن نسأل عن ثمن كل شيء إلا أثمن ما نملك. الهاتف في يدك لا يبيعك هاتفاً، والتطبيقات التي تسكنه لا تبيعك خدماتها في الغالب، لأن أكثرها مجاني. والمجاني في عالم الأسواق له قاعدة قديمة: إذا لم تدفع ثمن السلعة، فأنت السلعة. ما يدور في هاتفك اقتصاد كامل قائم على شراء انتباهك وبيعه، والمعلنون هم المشترون الحقيقيون، والدقيقة التي تقضيها شاخصاً هي العملة التي تتداول بين الجميع، ولا يصلك من أرباحها شيء.

قبل أكثر من نصف قرن كتب الاقتصادي هربرت سايمون ملاحظة سبقت زمنها: وفرة المعلومات تصنع فقراً في الانتباه. كان الرجل يتحدث عن عالم لم يعرف الهاتف الذكي بعد، لكنه رأى المعادلة بوضوح. حين تتكاثر الرسائل والشاشات والمحفزات، يصبح الشيء النادر هو قدرة الإنسان على أن يمنح ذهنه لشيء واحد. والندرة في أي سوق تعني ارتفاع الثمن. لذلك صار انتباهك أغلى من وقت فراغك، وأغلى عند المنصات من بياناتك ذاتها، لأن البيانات بلا عينين تنظران لا تساوي شيئاً.

كيف تُصاد الدقيقة

لا تُسرق الدقائق منك عنوة، بل تُنتزع بلطف مدروس. التمرير الذي لا ينتهي صُمم ليُسقط عنك لحظة السؤال الطبيعي: هل أكمل أم أتوقف؟ والإشعارات تأتيك في صورة نداءات صغيرة تحمل كل مرة وعداً مختلفاً، مرة خبراً، ومرة إعجاباً، ومرة فضولاً لا يهدأ إلا بالفتح. والمقاطع تتوالى بلا فواصل، فيبدأ التالي قبل أن تقرر أنت شيئاً. كل تفصيلة في هذه البيئة خضعت لاختبارات دقيقة، وهدفها واحد: أن تبقى دقيقة أخرى.

ولعل أخطر ما في الأمر أن المكافأة غير مضمونة. قد تفتح فلا تجد شيئاً يستحق، وقد تجد ما يبهجك. وهذا التذبذب بالذات هو ما يصنع التعلق، كما تصنعه ألعاب الحظ منذ القدم. العقل الذي لا يعرف متى تأتي الجائزة يظل منتظراً، والمنتظر لا يغادر. هكذا تتحول الدقيقة المقصودة إلى ساعة لم تخطط لها، وتخرج من جلسة قصيرة وأنت تحمل شعوراً غامضاً بأن وقتك تسرّب من بين أصابعك إلى مكان لا تعرفه.

الثمن الذي لا يظهر في الفاتورة

لو كان الثمن مالاً لانتبهنا. لكن الثمن يُدفع من رصيد آخر لا نراجع كشفه إلا متأخرين. انتباه ممزق يعني ذاكرة أضعف، لأن الذاكرة لا تُبنى مما مرّ أمام العين، بل مما توقفت عنده النفس طويلاً. ويعني عملاً ينجز بلا عمق، لأن الأفكار الكبيرة تحتاج زمناً متصلاً لا فتات لحظات. ويعني أيضاً غياب الملل من حياتنا، وذلك الغياب ليس نعمة كما يبدو. الملل كان على مرّ العصور هو الغرفة الهادئة التي يجلس فيها العقل مع نفسه، فتولد الأسئلة، وتُنسج الخواطر، ويُعاد ترتيب الداخل. حين يُملأ كل فراغ بشاشة، يختفي ذلك المجلس، ويصبح الإنسان مشغولاً دائماً وفارغاً دائماً في اللحظة ذاتها.

وثمة ثمن أخفى: أن تعيش حياتك بعين نصف مفتوحة على حيوات الآخرين. الانتباه المسروق لا يذهب إلى الفراغ، بل يذهب غالباً إلى مقارنات صامتة، فيقيس المرء يومه العادي بأيام منتقاة من حياة غيره، ويخرج من التصفح أقل رضاً مما دخل، ولا يدري لماذا.

استرداد السلعة

ليس المطلوب أن تحطم هاتفك أو تعتزل زمنك، فتلك حماسة لا تصمد. المطلوب أبسط وأصعب: أن تستعيد صفة المالك. أن تنتبه إلى انتباهك. أن تسأل قبل فتح أي تطبيق سؤالاً واحداً صغيراً: ماذا أريد منه الآن؟ فإن كان الجواب واضحاً دخلت وخرجت بسلام، وإن كان الجواب صمتاً مربكاً فاعلم أنك على وشك أن تُباع لا أن تشتري.

جرّب أن تترك للملل مقعده الأول في يومك. دقائق بلا شاشة في طريقك، وقبل نومك، وعند قهوتك، وستندهش من كمية الأفكار التي كانت تنتظر دورها خلف الباب. واجعل للإشعارات قانوناً: ما كان مهماً حقاً سيجد طريقه إليك، وما كان صراخاً طلباً لعينيك فأخره إلى وقت تختاره أنت. وذكّر نفسك كلما طالت الجلسة أن المقابل الذي تقدمه ليس وقتاً فحسب، بل هو المادة ذاتها التي تتكون منها حياتك. قال الفيلسوف ويليام جيمس قديماً إن تجربة الإنسان هي ما يقرر أن ينتبه إليه. فحياتك في الحقيقة هي مجموع ما انتبهت إليه، يوماً بعد يوم.

في السوق الصاخبة داخل هاتفك الكل يزايد على دقائقك، والمعلنون يدفعون، والمنصات تقبض. وحدك أنت تستطيع أن تقرر ألا تكون بضاعة رخيصة في سوق لا ينام. انتباهك ليس فراغاً ينتظر من يملؤه، بل هو عمرك نفسه وهو يتشكل. فامنحه كما يُمنح الغالي: باختيار، وببطء، ولمن يستحق.

Mohammed Albaom محمد البعوم

محمد البعوم-Mohammed Albaom

الدكتور محمد البعوم باحث وكاتب وأكاديمي، حاصل على دكتوراه علوم الحاسب من جامعة بوترا (UPM)، متخصص في الذكاء الاصطناعي والجيل الثالث للويب، ويكتب في قضايا التقنية والمجتمع والثقافة.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button