الحب من طرف واحد: لماذا نتعلق بمن لا يبادلنا الشعور؟

هناك نوع من الحب لا يُحتفى به في الأغاني ولا يُروى في الحكايات بسعادة: حبٌ من طرف واحد. تحبُّ بكل ما فيك، وتسهر الليالي تتأمل صورته، وتعيد قراءة رسائله بحثاً عن إشارة، بينما هو يعيش حياته بهدوء لا يعبأ بما يموج في صدرك. هذا النوع من المشاعر مؤلم بقدر ما هو شائع، لكنه يحمل في طياته درساً عميقاً عن النفس البشرية إن عرفنا كيف نقرأه.
لماذا نتعلق بمن لا يبادلنا الشعور؟
السبب الأول يكمن في عقولنا أكثر مما يكمن في قلوبنا. نحن لا نحب الشخص ذاته دائماً، بل نحب الصورة التي رسمناها له في خيالنا: النسخة المثالية التي ملأنا بها الفراغات التي لا نعرفها عنه. علم النفس يسمي هذا الإسقاط: نُسقط على الآخر أحلامنا وتوقعاتنا ونواقصنا، فيتحول إلى شاشة نعرض عليها ما نتمناه لأنفسنا. ثم هناك عامل آخر خفي: جروح قديمة. من اعتاد في طفولته على أن الحب مشروط أو متقطع، قد يجد نفسه منجذباً لا شعورياً إلى علاقات تكرر النمط ذاته، فيخلط بين القلق والحب، وبين الترقب والشغف. الحب الأحادي غالباً ليس اختياراً واعياً، بل استجابة قديمة لاحتياج لم يُشبع.
الأمل الزائف: الوقود الذي لا ينفد
أخطر ما في الحب من طرف واحد ليس غياب المشاعر المتبادلة، بل الأمل الذي يرفض أن يموت. كل ابتسامة عابرة تُقرأ كوعد، وكل رسالة لطيفة تُفسَّر كبداية. العقل هنا يعمل كمحامٍ بارع يدافع عن قضية خاسرة: يضخّم الإشارات الإيجابية ويتجاهل الدلائل الواضحة على عدم الاهتمام. وتزداد المشكلة حين يمنحك الطرف الآخر فتاتاً من الاهتمام بين الحين والآخر؛ فعلم النفس السلوكي يخبرنا أن المكافأة المتقطعة هي أقوى أنواع التعزيز، وهي ما يجعل المقامر يعود إلى الطاولة رغم الخسارة. أنت لست ضعيفاً حين تتعلق، أنت فقط إنسان وقع في فخ نفسي محكم.
علامات تستحق أن تتوقف عندها
- أنت من يبادر دائماً بالاتصال والسؤال والاهتمام، بينما الطرف الآخر يكتفي بالرد.
- تشعر أن مزاجك كله مرهون بكلمة منه أو تجاهل.
- تبرر لنفسك غيابه الدائم بأعذار تخترعها له.
- توقفت عن الاهتمام بحياتك وأهدافك وأصدقائك من أجله.
كيف تخرج من هذا التعلق بكرامة؟
الخروج يبدأ بقرار صادق: أن تسمّي الأشياء بأسمائها. قل لنفسك بوضوح: هذا حب غير متبادل، وأنا أستحق أكثر من الانتظار. ثم امنح نفسك مسافة حقيقية: قلّل التواصل، وتوقف عن مراقبة أخباره، واحذف ما يذكّرك به إن لزم الأمر؛ فالجروح لا تلتئم وأنت تعبث بها كل يوم. بعد ذلك أعد توجيه الطاقة: املأ الفراغ الذي كان يشغله بهواياتك وأصدقائك وطموحاتك، فالتعلق يتغذى على الفراغ. ولا تخجل من طلب المساعدة؛ الحديث مع صديق صادق أو مختص نفسي قد يختصر عليك شهوراً من المعاناة. تذكّر أن الكرامة ليست في أن تُحَب رغماً عن الآخر، بل في أن تحب نفسك بما يكفي لتنسحب مما يؤذيها.
الحب من طرف واحد ليس وصمة ولا دليل فشل؛ إنه تجربة إنسانية يمر بها كثيرون. الفرق بين من يتعافى ومن يبقى أسيراً هو الشجاعة: شجاعة الاعتراف بالحقيقة، وشجاعة الانسحاب، وشجاعة البدء من جديد. قلبك يستحق من يختاره كل يوم، لا من يتمنى لو يختاره.
Mohammed Albaom – محمد البعوم



