في لحظة صمت — ربما وأنت تنظر إلى النجوم في ليلة صافية، أو بعد فقدان شخص عزيز — يقتحمك السؤال الأقدم في تاريخ البشرية: لماذا أنا موجود؟ ما معنى كل هذا؟ الفلاسفة تناولوا هذا السؤال منذ آلاف السنين، لكنه ليس سؤالهم وحدهم؛ إنه سؤال كل إنسان واعٍ. دعنا نتأمله معاً بهدوء، دون ادعاء امتلاك الجواب النهائي.
سؤال الوجود الأقدم
منذ أن قال سقراط “اعرف نفسك” وحتى فلاسفة الوجودية في القرن العشرين، ظل السؤال واحداً: ما معنى أن أكون؟ بعضهم رأى المعنى في الإيمان، وبعضهم في العقل، وبعضهم — مثل سارتر — رأى أن الوجود يسبق الماهية: أي أننا نُولد أولاً ثم نصنع معنى حياتنا باختياراتنا. تعددت الإجابات عبر العصور، لكن بقاء السؤال نفسه دليل على عمق الوعي البشري الذي يرفض أن يعيش دون معنى.
المعنى لا يُكتشف بل يُصنع
من أشهر الأخطاء أن ننتظر “اكتشاف” معنى حياتنا كما نكتشف كنزاً مدفوناً. الحقيقة المحررة هي أن المعنى يُبنى: بعلاقة صادقة نرعاها، بعمل نافع نقدمه، بقضية نخدمها بإخلاص. فيكتور فرانكل — الذي نجا من معسكرات الاعتقال — لاحظ أن من كان لديه “لماذا” يعيش من أجله استطاع تحمل أي “كيف” مهما كان قاسياً. اسأل نفسك: ما الذي يجعلني أنهض من فراشي صباحاً بشغف؟ إجابتك هي بداية معناك.
الموت: المعلّم الصامت للحياة
قد يبدو الحديث عن الموت كئيباً، لكن تذكّره يمنح الحياة وضوحاً مدهشاً. عندما تدرك بعمق أن وقتك محدود، تتوقف عن إضاعته في التوافه والخصومات الصغيرة. جرّب هذا التمرين: لو بقي من عمرك سنة واحدة فقط، ما الذي ستغيّره فوراً؟ إجابتك الصادقة تكشف أولوياتك الحقيقية التي يطمسها روتين الأيام. الموت لا يسرق المعنى من الحياة، بل يمنحه إلحاحاً وقيمة.
كيف تعيش سؤالك الوجودي؟
لا تهرب من الأسئلة الكبيرة بالانشغال الدائم والضجيج المستمر؛ امنح نفسك وقتاً منتظماً للتأمل الهادئ. اكتب أفكارك ومخاوفك على الورق، فالكتابة تحوّل الضباب الداخلي إلى وضوح. تحدث مع من يشاركونك التساؤل بدل من يسخرون منه. وتذكّر: أن تعيش السؤال بصدق وشجاعة أشرف بكثير من أن تتبنى جواباً جاهزاً لا يؤمن به قلبك.
الإيمان والوجود: السؤال واليقين معاً
يظن بعض الناس أن الإيمان يغني عن سؤال الوجود، لكن الحقيقة أعمق من ذلك: الإيمان الصادق لا يلغي التساؤل بل يمنحه أفقاً أرحب. الأنبياء والحكماء أنفسهم سألوا وتأملوا وبحثوا. الإيمان يجيب عن سؤال “لماذا” الكبير، بينما يبقى على الإنسان أن يجيب كل يوم عن سؤال “كيف أعيش” هذا المعنى. أجمل المواقف أن تجمع بين يقين القلب وتواضع العقل: تؤمن بأن لوجودك معنى، وتظل تتأمل وتتعلم وتتساءل. فالسؤال الصادق حياة للروح، واليقين الأعمى الذي يرفض التفكير موت لها.
ربما لا نصل أبداً إلى جواب نهائي عن لغز الوجود، وهذا ليس فشلاً بل طبيعة السؤال نفسه. القيمة ليست في الإجابة بل في الرحلة: إنسان يتساءل عن معنى وجوده إنسان حيّ بحق. عش سؤالك بصدق، واصنع معناك بيدك يوماً بعد يوم.
Mohammed Albaom – محمد البعوم
