قبل ستة وستين مليون سنة، أنهى كويكب بحجم مدينة عهد الديناصورات في لحظات. واليوم، تراقب وكالة ناسا السماء على مدار الساعة حتى لا يتكرر السيناريو معنا. فكيف ترصد الوكالة الكويكبات التي تهدد الأرض؟ وما هي أنظمة الدفاع الكوكبي التي بنتها البشرية لأول مرة في تاريخها؟ هذه نظرة من الداخل على الجهود الصامتة التي تحمي كوكبنا.
لماذا تشكل الكويكبات تهديداً حقيقياً
تدور حول الشمس ملايين الصخور الفضائية، وآلاف منها تعبر مدار الأرض فيما يُعرف بالأجسام القريبة من الأرض. كويكب بحجم ملعب كرة قدم فقط يمكنه تدمير مدينة كاملة، كما حدث في تشيليابينسك عام 2013 حين انفجر نيزك فوق روسيا وأصاب أكثر من ألف شخص. أما الأجسام الأكبر من كيلومتر واحد فتأثيرها كارثي على مستوى القارة. الخطر ليس خيالاً علمياً، بل مسألة وقت واحتمالات يتعامل معها العلم بجدية كاملة. وتشير التقديرات إلى أن اصطداماً مدمراً لمدينة يحدث مرة كل بضعة آلاف من السنين، وهي احتمالية صغيرة لكن عواقبها هائلة.
عيون ناسا الساهرة: شبكات الرصد
تعتمد ناسا على شبكة عالمية من التلسكوبات الأرضية تمسح السماء كل ليلة بحثاً عن نقاط ضوئية متحركة: مسح كاتالينا للسماء، ونظام بان ستارس في هاواي، ونظام أطلس للإنذار المبكر الذي يغطي السماء كلها خلال ليالٍ معدودة. عندما يُرصد جسم جديد، يُحسب مداره بدقة ويُراقب لأسابيع لتحديد مساره المستقبلي. وقد نجحت هذه الجهود في اكتشاف أكثر من تسعين بالمئة من الكويكبات الكبيرة القريبة من الأرض، والعمل جارٍ على رصد الأصغر حجماً والأخطر لقربها.
من الرصد إلى الدفاع: هل يمكننا حرف كويكب
الإجابة جاءت عملياً عام 2022 عندما اصطدمت مركبة مهمة دارت بكويكب ديمورفوس وغيّرت مساره بنجاح، مثبتة أن البشرية قادرة على الدفاع عن نفسها. واليوم تستعد مهمة هيرا الأوروبية لدراسة نتائج الاصطدام بدقة. وتدرس ناسا خيارات أخرى: جرار الجاذبية الذي يسحب الكويكب ببطء عبر مركبة تحلق بجواره، وحتى الخيار النووي كملاذ أخير للأجسام الضخمة. وقد أنشأت الوكالة مكتباً خاصاً لتنسيق الدفاع الكوكبي يعمل كغرفة عمليات دائمة.
كيف يُقيّم العلماء مستوى الخطر
يستخدم العلماء مقياس تورينو من صفر إلى عشرة لتصنيف خطورة أي جسم مكتشف، معتمدين على حجمه واحتمال اصطدامه وتوقيته. معظم الاكتشافات الجديدة تسجل صفراً بعد حسابات دقيقة، لكن المراقبة المستمرة ضرورية لأن المدارات تتغير بتأثير جاذبية الكواكب. الهدف الأسمى هو الإنذار المبكر: اكتشاف الخطر قبل سنوات أو عقود من موعد الاصطدام المحتمل، لأن حرف كويكب يحتاج إلى وقت طويل، وكل سنة إضافية تعني فرقاً بين الكارثة والنجاة.
لأول مرة في تاريخ الحياة على الأرض، يوجد كائن حي يرصد السماء ويخطط للدفاع عن كوكبه. مراقبة ناسا للكويكبات ليست ترفاً علمياً، بل بوليصة تأمين لبقاء الحضارة نفسها، ودليل على أن العلم حين يُستخدم بحكمة يصبح درعاً للبشرية جمعاء.
Mohammed Albaom – محمد البعوم
