الإنسانية في 2026: هل أصبحنا أكثر رحمة أم أكثر قسوة؟

في عام 2026، يمكنك أن ترى المشهدين معاً في يوم واحد: متطوعون يجمعون التبرعات لعائلة منكوبة عبر بث مباشر، وتعليقات قاسية تسخر من ضحية في الخبر التالي. نعيش زمن التناقضات الكبرى؛ فهل أصبح الإنسان المعاصر أكثر رحمة أم أكثر قسوة؟ الإجابة ليست بسيطة كما نظن. دعونا نتأمل الوجهين معاً، بعيداً عن التشاؤم المبالغ فيه والتفاؤل الساذج.

وجه الرحمة: تضامن لم يعرفه التاريخ

لم يكن التضامن الإنساني يوماً بهذا الاتساع. حملات التبرع تصل إلى ملايين البشر في ساعات، ومتطوعون من قارات مختلفة يتعاونون لإغاثة منكوبين لم يروهم قط. التكنولوجيا التي نتهمها بالقسوة هي ذاتها التي جعلت معاناة البعيد قريبة، فأصبح من الصعب أن نقول «لا نعلم». كما نشهد صحوة في الوعي الجماعي: حركات تدافع عن البيئة وحقوق الضعفاء، وشباب يختار مهناً إنسانية على حساب الربح السريع. الرحمة لم تمت؛ لكنها أصبحت تعمل في صمت، بعيداً عن ضجيج الأخبار. ومن يتأمل المبادرات الصغيرة حوله — جار يساعد جاراً، ومعلم يبذل فوق واجبه — يدرك أن الخير اليومي ما زال العمود الفقري للمجتمعات.

وجه القسوة: اللامبالاة الرقمية

في المقابل، أنتج العصر الرقمي نوعاً جديداً من القسوة: قسوة الشاشة. خلف الأسماء المستعارة يتحول أناس لطفاء في حياتهم اليومية إلى جلادين بالكلمات، يسخرون ويجرحون دون أن يروا دموع ضحاياهم. كما اعتدنا مشاهد العنف والمآسي حتى فقدت تأثيرها؛ نمر على خبر كارثة كما نمر على إعلان تجاري. والأخطر أن الخوارزميات تكافئ الغضب والاستقطاب، فتُضخّم الأصوات الأكثر تطرفاً وتُهمّش المعتدلين. لسنا بالضرورة أكثر شراً من أجدادنا، لكن أدواتنا جعلت القسوة أسهل وأسرع وأقل كلفة نفسية. وحين يتحول الإنسان إلى مجرد صورة أو رقم على شاشة، يصبح إيذاؤه أسهل بكثير؛ فالقسوة تبدأ حين نتوقف عن رؤية الآخر إنساناً مثلنا.

لماذا نرى القسوة أكثر من الرحمة؟

المفارقة أننا قد نكون أكثر رحمة من أي جيل مضى، لكننا نرى القسوة أكثر. السبب بسيط: الأخبار السيئة تنتشر أسرع، والغضب يجذب النقرات، والخير الهادئ لا يصنع عناوين مثيرة. عقلنا مبرمج تطورياً على الانتباه للخطر، فتعلق صورة واحدة قاسية في ذاكرتنا أكثر من مئة مبادرة خيّرة. النتيجة صورة مشوهة للواقع تقنعنا بأن العالم يزداد سوءاً، بينما الإحصاءات الكبرى — في التعليم والصحة ومتوسط الأعمار — تروي قصة مختلفة تماماً. فلا تدع خوارزمية غاضبة ترسم لك صورة الإنسانية؛ انظر حولك في حياتك الحقيقية وستجد الرحمة أكثر حضوراً مما تظن.

السؤال الحقيقي: ماذا عنك أنت؟

بدل أن نسأل هل أصبحت الإنسانية أكثر رحمة أم قسوة، لنسأل: أي إنسان أكون أنا؟ فالإنسانية ليست كياناً مجرداً، بل مجموع خياراتنا اليومية الصغيرة: كلمة طيبة نكتبها بدل تعليق جارح، ومساعدة نقدمها دون تصوير، وتسامح نختاره حين يكون الانتقام أسهل. في 2026، يملك كل واحد منا منبراً يصل إلى المئات؛ فإما أن يكون منبر رحمة أو منبر قسوة. المستقبل الأخلاقي للعالم لا يُصنع في المؤتمرات الكبرى فحسب، بل في تفاصيل يومك العادي. اختر الرحمة كل يوم، وستكتشف أنك لست وحدك؛ فالطيبون كثر، لكنهم فقط أقل ضجيجاً.

الإنسان في 2026 ليس ملاكاً ولا شيطاناً؛ إنه كائن يحمل الاستعدادين معاً، والعصر يضخّم أيهما نغذّيه. السؤال إذن ليس عن الإنسانية كمصير محتوم، بل عن الإنسانية كخيار يومي: أي وجه ستُظهر للعالم اليوم؟ الجواب ليس في الأخبار ولا في الإحصاءات، بل في مرآتك كل صباح.

Mohammed Albaom – محمد البعوم

Exit mobile version