سؤال يطارد كثيرين في لحظات الصدق مع النفس: ما قيمة ما أفعله؟ أستيقظ، أعمل، آكل، أنام، وأكرر — فأين المعنى؟ تجيب الحكمة: ليس للحياة قيمة إلا إذا وجدنا فيها شيئاً نناضل من أجله. القيمة لا تُمنح مع شهادة الميلاد، بل تُصنع عندما تختار قضية تستحق أن تبذل من أجلها وقتك وجهدك وراحتك. الحياة بلا نضال ليست حياة سيئة بالضرورة، لكنها حياة ناقصة.
الفرق بين العيش والوجود
الكائنات كلها «تعيش» بمعنى البقاء: تأكل وتشرب وتتكاثر. أما الإنسان وحده فيستطيع أن «يوجد» بمعنى أن يمنح وجوده معنى يتجاوزه. من يناضل من أجل أبنائه يعيش فيهم بعد رحيله، ومن يناضل من أجل فكرة يعيش في كل من يحملها، ومن يناضل من أجل وطنه يصبح جزءاً من ذاكرته. النضال هو الجسر بين الفناء والخلود — ليس خلود الجسد، بل خلود الأثر.
كيف تجد قضيتك؟
القضية ليست بالضرورة تحرير وطن أو اختراع دواء. قد تكون تربية أبناء صالحين، أو إتقان حرفة تنفع الناس، أو مساعدة الفقراء في حيّك، أو نشر علم نافع. لاكتشاف قضيتك اسأل نفسك:
- ما الذي يغضبك؟ الغضب الصادق من الظلم أو الجهل أو الفقر يشير إلى قضيتك.
- ما الذي تفعله بشغف دون مقابل؟ هناك تختبئ رسالتك.
- ما الأثر الذي تريد تركه بعد عشرين سنة؟ أجب بصدق وسترى الطريق.
- من يحتاجك؟ أحياناً القضية تختارك أنت: محتاج يطرق بابك.
النضال اليومي الصغير
احذر فخ انتظار «المعركة الكبرى». معظم النضال الحقيقي يومي وممل: الأب الذي يستيقظ فجراً ليعمل ويطعم أبناءه مناضل، والمعلمة التي تشرح بإخلاص لطلاب لا يقدرون مناضلة، والشاب الذي يقاوم الفساد في عمله مناضل. القيمة ليست في ضجيج المعركة، بل في الاستمرار رغم التعب والإحباط وقلة التقدير.
عندما تتغير المعركة
قضيتك قد تتغير مع مراحل حياتك، وهذا طبيعي: معركة الشباب غير معركة الكهولة. المهم ألا تبقى بلا معركة أبداً. راجع قضيتك كل بضع سنوات: هل ما زالت تستحق؟ هل أخدمها فعلاً أم أتاجر باسمها؟ الحياة القصيرة أطول من أن تُعاش بلا معنى، وأقصر من أن تُضاع في معارك تافهة. اختر معركتك بحكمة، ثم ناضل فيها بكل ما تملك.
معارك صغيرة تصنع أبطالاً
عندما نقول «نضال» يتخيل البعض ساحات المعارك والخطابات الرنانة، لكن أعظم المعارك تُخاض بصمت: الأم التي تربي أبناءها على القيم في زمن التفاهة تخوض معركة، والمعلم الذي يرفض الغش في مدرسته يخوض معركة، والموظف الشريف في بيئة فاسدة يخوض معركة يومية. هؤلاء لا تذكرهم الكتب، لكنهم أبطال الحياة الحقيقية الذين تُبنى عليهم الأمم.
لا تستصغر معركتك مهما بدت صغيرة. قيمة النضال ليست في حجم الميدان بل في صدق النية وثبات الاستمرار. ابدأ من حيث أنت: أتقن عملك، وربِّ أبناءك، وساعد جارك، وقاوم الفساد الصغير حولك. فالحياة التي تُعاش من أجل شيء أكبر من الذات — مهما كان هذا الشيء متواضعاً — هي الحياة الوحيدة التي تستحق أن تُعاش. اختر معركتك اليوم، فالغد قد لا يمنحك فرصة الاختيار.
Mohammed Albaom – محمد البعوم
